2leep.com

هل مصر مرشحة للغضب على غرار تونس؟

عرض الخبر
هل مصر مرشحة للغضب على غرار تونس؟
1752 زائر
19-01-2011 11:13
هل مصر مرشحة للغضب على غرار تونس؟
مصطفى عاشور *
عندما نجح التونسيون في خلع الرئيس زين العابدين بن علي وإسقاطه ودفعه للهرب بطائرته إلى خارج البلاد؛ طرحت بقوة مسألة الشعوب العربية ومسألة التغيير السياسي استناداً إلى القوى الشعبية والسياسية الداخلية، باعتبارها تمتلك القدرة على القيام بالتغيير بعيدا عن الدور الخارجي، وهو ما رفع سقف توقعات المعارضة العربية تجاه الإصرار على التغيير والإصلاح، وفي المقابل أخذت غالبية النظم العربية في دراسة مجموعة من السياسات والآليات لعدم تكرار ما جرى في تونس مثل خفض الأسعار والضرائب، لكن ما زال الشبح التونسي حاضرا في المشهد في العلاقة بين الأنظمة وبين شعوبها.
ويقدم هذا المقال تحليلا لقدرات النظام المصري، الذي أشار البعض أنه يتقاطع في الكثير من الوجوه مع النظام التونسي الراحل، باعتبار أنه من الضروري قراءة ما يجري وفق تدفق الأحداث، وكذلك وفق منظور معرفي لفهم صيرورة التاريخ.
فبعد أيام من رحيل الرئيس التونسي زين العابدين بن علي أعلن وزير الخارجية المصري يوم 16 يناير 2011 تعليقا على احتمالية تكرار ما جرى في تونس في مصر بأنه "كلام فارغ"، معتبرا أن لكل مجتمع ظروفه الخاصة، في حين أن مجلس الوزراء في مصر عقد اجتماعا مهما -تسرب بعض من جدول أعماله- لمناقشة عدد من الأمور المحددة منها: أن يتجنب الوزراء الحديث عن أية ارتفاعات قادمة في الأسعار، أو الحديث عن أية أعباء إضافية على الجماهير، وكان الأهم هو إيجاد قدر من التنسيق بين الجهاز الأمني ممثلا في وزارة الداخلية وبين الجيش ممثلا في وزارة الدفاع لتجنب أية احتمالات لهبات جماهيرية على خلفية ما جرى في تونس.
والأهم هو صدور تقرير سيعرض على مجلس الوزراء والأمم المتحدة أشرف على إعداده (77) خبيرا وطنيا وثلاثة خبراء أجانب عنوانه "التحديات التنموية الرئيسية التي تواجه مصر" ويقع في (140) صفحة، وكتبت مقدمته وزيرة التعاون الدولي الدكتورة فايزة أبو النجا، ويهدف التقرير إلى مساعدة الحكومة في بناء أولويات صحيحة للعمل التنموي في مصر، المهم في التقرير هو حجم المعلومات التي أوردها عن الواقع الاقتصادي والتنموي والاجتماعي في مصر.
ومما أشار إليه التقرير هو حجم المصريين الذين يعيشون تحت خط الفقر، وحالة البطالة المخيفة المنتشرة في المجتمع حوالي 10% وخاصة في الأوساط الشبابية، وأن 90% ممن يعانون البطالة من الشباب تحت سن 30 عاما، وأن 45% منهم من خريجي الجامعات.
وأشار التقرير إلى حجم التضخم المرتفع والمتصاعد في مصر والذي يهدد التنمية، والذي ينعكس في زيادة الفقر في المجتمع، ومن ثم زيادة حالة الاحتقان والغضب، وحالة الخلل في توزيع الموارد، والخلل في توزيع الدعم الحكومي، ومنه أن 20% من الأغنياء يستفيدون بنسبة 30 % من الدعم الحكومي.
لكن السؤال هل مصر مرشحة للغضب؟
إجابة هذا السؤال تفرض مناقشته على محورين:
الأول: القدرات السياسية التي يتمتع بها النظام المصري الحالي، والثاني: القدرات السياسية للمجتمع المصري وقواه السياسية وطبيعة ثقافته السياسية وحجم الوعي بالأزمات التي يعاني منها المجتمع ومسهلات انتقالها من حالة الوعي إلى مجال الفعل السياسي الناجز. ويهدف هذا التحليل إلى الاقتراب مع بعض القدرات السياسية للنظام المصري.
يقول المؤرخ طارق البشري في كتابه "مصر بين العصيان والتفكك": "عندما يفقد النظام السياسي الحد الأدنى من اقتناع الناس بجدواه وثقتهم بأنه يكفل لهم حدا مقبولا من تنظيم الحياة اليومية العادية برتابتها واطرادها، عندئذ يكون قد آذن بزوال، وهذا الإيذان لا يأتي فقط من نهوض الناس ضده أو احتجاجهم عليه، ولكنه يأتي أيضا من سلوكه المتخبط ومن افتقاده المنطق والمعقولية في تصرفاته وقراراته".
وما تشهده مصر حاليا من تراجع سياسي وضعف في قدرات الدولة، وتآكل كبير في قدراتها، وعجز عن الأداء بوظائف الدولة، وحالة الفساد التي يشهدها جهاز الدولة، وجرعات اليأس والإحساس بالمرارة التي يتجرعها المصريون يوميا يثير قدرا من القلق، لأن أي نظام ما هو إلا مجموعة من القدرات والوظائف والأدوار التي يتحرك بها في الجغرافيا حضورا، وفي التاريخ فعالية، فإذا غابت تلك الإمكانات والمكنات فإنه يخضع للصيرورة التاريخية التي تحدث عنها المؤرخ الكبير "ابن خلدون" وهو التلاشي والذوبان وأفول القوة وذهاب الريح.
والمتابع للأحداث التي تمر بها مصر منذ سنوات سيلحظ بوضوح كم المشكلات التي تمر بها الدولة والمجتمع مع ضعف أداء جهاز الدولة وغياب الخيال السياسي والإرادة للنظام السياسي في حل تلك الأزمات والمشكلات، فتسير المشكلات من سيئ إلى أسوأ، وتتمدد خريطة الأزمات في المجتمع، وتغيب الاستراتيجيات لتحل مكانها خطط التسيير اليومية والمسكنات مع المشكلات دون أي أفق لتجاوز الأزمات.
ومع تفاقم الأزمات وتعقدها تكثر الشكوك بين المجتمع وبين النظام القائم، ويتحصن كل منهما من الآخر، فالنظام يسن القوانين التي تحميه ويحاول فرضها بقوة الدولة؛ أما الثاني فيعتبر القوانين كمائن لاصطياده فيبتكر وسائل متنوعة للتفلت، أو ينصرف كل شخص إلى مصالحه الخاصة الضيقة التي تتصادم في ظل ضعف الموارد وغياب القانون الذي ينظم العلاقات، فيعلو خطاب الخلاص الفردي في المجتمع.
وهنا تتعرض الدولة والمجتمع وقيمه لعملية تكسير عنيفة وخطرة تترك بصماتها في مظاهر الحياة من تسيب وعدم انصياع للقانون، وفساد سياسي واقتصادي واجتماعي، وتحلل أخلاقي، وانتشار السطحيات في المجتمع، وانتشار حالة من الركود وعدم القدرة على الفعل في ظل مناخ خانق وطارد لكل ما هو جيد وفعال.
مصر بلا سياسة
لا شك أن النظام الحالي قام بخطوات استباقية نحو تفريغ المجتمع من السياسة، وحملت هذه الخطوات جانبين الأول: هو أن الرئيس باعتباره لم يمارس السياسة قبل اختياره نائبا للرئيس السادات، لديه شكوك في الساسة والسياسيين وربما قدر من النفور منها، والوجه الآخر هو أنه في ظل غياب السياسة في العمل العام فإن نظام الحكم لا يواجه معارضة حقيقية، وما يظهر من احتقانات في المجتمع -وفق رؤية النظام- يمكن التعامل معها وفق الأطر المطلبية.
ولذا نزع نظام الرئيس مبارك إلى القيام بخطوتين متوازيتين، الأولى: القيام بعمليات تبريد للسياسة في المجتمع بأشكال مختلفة منها خلق حالة من الإحباط في إمكانية التغيير السياسي للنظام، وتفكيك القوى السياسية المعارضة، وربما تفجيرها من الداخل، وتسريب شعور في المجتمع أن ممارسة العمل السياسي لا تقود إلى شيء.
أما الوجه الآخر: فهو إنزال عنف الدولة بأي معارضة سياسية مع التنكيل الشديد بالخصوم السياسيين، وخلق خيارات صعبة أمام أي معارضة سياسية تتمثل في بديلين كلاهما مر، إما تحمل عبء التكلفة العالية في المعارضة، وإما أن تلجأ إلى الخيار المسلح والعنيف في مواجهة السلطة، وفي الخيار الأخير تُعرض نفسها للفناء أمام بطش الدولة وآلتها الأمنية، كما تعرض نفسها لنزع أي غطاء من الشرعية أو التعاطف المجتمعي معها.
هذان الخياران اللذان طرحهما النظام القائم كمسارات للحركة أمام المعارضة السياسية أنتجا لجوءا من النظام إلى استخدام الأداة الأمنية وإطلاق يديها وزيادة صلاحياتها والتغاضي عن أخطائها وتجاوزاتها تجاه المعارضة والانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، والأمر الثاني أن إلغاء ممارسة السياسة وتبريدها وانكماشها في المجتمع أنتج حالة من الاستقطاب الحاد في السياسة المصرية بين النظام القائم وبين القوى الإسلامية وتحديدا الإخوان المسلمين.
وانعكست مجمل هذه الأوضاع الاستبعادية للسياسة في المجتمع على أداء النظام القائم فأصبحت وساوس الأمن والاستقرار هي المسيطرة على ذهنيته ومسالكه، فتعطلت آليات التغيير والتجديد والاصلاح، وضعفت القوى الدافعة للحركة الذاتية داخل النظام مع ازدياد رفض النظام للإصلاح.
ولو نظرنا إلى الاحتجاجات وموجات الغضب والإضرابات التي شهدتها مصر في السنوات الأخيرة سنلحظ بسرعة تصاعد موجات الغضب وتنوع القائمين بها من موظفين ومهنيين ونقابيين وعمال ومواطنين، كما أنها تتمدد على خريطة مصر من أسوان حتى الإسكندرية، ناهيك عن حالة الاحتقان بين الأقباط والدولة، فقد شهد عام ٢٠٠٦ حوالي ٢٢٨ وقفة احتجاجية وإضرابا عن العمل، أما ٢٠٠٧ فشهد ما يزيد على ١٠٠٠ احتجاج، واقترب الرقم في الثلاثة الأشهر الأولى من عام 2008 كان أعنفها ما جرى في المحلة في أبريل، وتكررت حالات الغضب في عام 2009، و2010 لكن تميز العام الأخير بدخول الأقباط على خط التظاهر والغضب.
ومشكلة النظام الحالي أنه غير قادر على تلبية المطالب الشعبية خاصة في المجال السياسي والاقتصادي؛ وحتى إن لبى بعضها في إطار تقديم المسكنات للمحتجين فإنه غير قادر على إيجاد منظومة شاملة للعلاج وتخفيف الاحتقانات، كما أن لجوءه المتكرر بل والوحيد إلى الأداة الأمنية في العلاج محفوف بالمخاطر المستقبلية، خاصة أن هذه الأداة أصبحت مستهلكة ومحل غضب وكراهية مجتمعية متصاعدة.
كيف يدرك المجتمع الدولة؟
تبدو الدولة والنظام السياسي في الوعي المجتمعي المصري محل ارتباك في الإدراك بين الرغبة في حضورها وبين الرغبة في غيابها، فالدولة بشكلها السلطوي بمثابة مصدر الشرور في الحياة اليومية للمواطن، فهي عندما تحضر تنتقص من حريات الأفراد والجماعات وتعرض مواردهم لاحتمالات الابتزاز بسبب تعسف السلطة، وفي المقابل تبدو الدولة في الوعي الجمعي وكأنها "المهدي المنتظر" الذي يترقب الجميع حضوره ويلحون عليه لكي يكون معهم في قضاياهم ومشكلاتهم.
هذا الإدراك المركب والمتناقض لمفهوم السلطة والنظام السياسي والحاكم السياسي لدى المصريين هما مصدر الصلاح والإصلاح، وفي نفس الوقت مصدر الفساد والإفساد... لكن هناك تعايش عجيب بين الإدراكين في العقلية المصرية والوعي السياسي، وفي المقابل انعكس هذا الإدراك المرتبك والمتناقض للدولة والسلطة في الإدراك المجتمعي إلى نوع من الارتباك في هياكل وأبنية الدولة نفسها، وفي ممارسة السلطة لوظائفها وأدوارها، فابتعدت وظائف وأدوار النظام السياسي عما ينص عليه الدستور والقانون مفسحا المجال أمام أدوار لمؤسسات بعيدة بل ومناقضة في بعض الحالات للأهداف والغايات التي من أجلها أنشئت تلك المؤسسات.
وظهر ما يمكن تسميته بكراهية الدولة والنظام السياسي، هذه الكراهية للدولة والنظام تؤثر على مدى القبول المجتمعي للسلطة أو ما يسمى في الأدبيات السياسية بالشرعية التي يتمتع بها النظام، فتتآكل شرعية النظام، ومع تآكل الشرعية يلجأ النظام إلى أدوات الإكراه السلطوية لتثبيت وجوده في السلطة، فتتسع الفجوة بين السلطة بدءا من الرئيس والحكومة وجهاز الدولة الإداري وبين المجتمع.
ومع الكراهية تطفو على سطح السياسة وممارستها ظواهر متعددة من بينها نقد الدولة وتسفيه القيادات، وانتشار الشائعات حول فساد الصفوة السياسية الحاكمة والتشكيك في تحالفاتها مع الثروة ورجال الأعمال في المجتمع، وهو ما يضعف قدرات النظام السياسي نفسه، وأزمة النظام تعيد إنتاج نفسها باستمرار، فالأزمة هي نتاج لواقع سياسي مأزوم ومحتقن، وفي نفس الوقت فإن تلك الأزمة تعقد الواقع وتزيده احتقانا وتأزما.
هذه الكراهية المتزايدة للنظام السياسي تعوق أداء النظام لوظائفه وتعزله عن المجتمع، وتجعل النظام السياسي محصورا في بؤر من أصحاب النفوذ والمصالح والثروة تضيق باستمرار مع ازياد الكراهية، حتى تتلبس السلطة والنظام الثروة، وتتلبس الثروة السلطة ويحدث بينهما تحالف عضوي شبه كامل يوظف فيه كل طرف الآخر لحمايته وخدمة مصالحه.
هذا التحالف شبه العضوي بين السلطة ونظامها السياسي وبين الثروة ورجال الأعمال ينتج قدرا من التشوهات السياسية والتنموية الواضحة التي تزيد حالة السخط الموجودة والمنتشرة في المجتمع، كما أنه يحصر اللاعبين السياسيين والاقتصاديين في النظام في عدد محدود وفي شبكات صغيرة تضيق باستمرار وتميل مع الضيق إلى الانعزال.
وتنتج حالة الكراهية للدولة اغترابا كبيرا ومتزايدا بين النظام السياسي والمواطن، فتضعف رابطة المواطنة بشكلها الحداثي وتنشأ حالات من اللجوء إلى الروابط الأدنى من الدولة كالروابط الدينية والمذهبية والجهوية والمهنية، وتصبح سمة الركود واللافعل هي أقصى ما يطمح له النظام في نفسه أو معارضيه.
خلل وشخصنة
هناك خلل بنيوي ومؤسسي في هيكل العلاقة بين السلطات الدستورية الثلاث في مصر، إذ يتمتع النظام المصري بعجز سياسي واضح ومزمن في العلاقة بين مكونات السلطات الثلاث: الدستورية، والتنفيذية، والتشريعة والقضائية، حيث تختل تلك السلطات بصورة فادحة لصالح السلطة التنفيذية التي استطاعت أن تحتوي أو تسيطر بدرجات كبيرة على السلطتين الأخريين، كما أن السلطة التنفيذية تعاني من خلل فادح في العلاقة بين مكونيها الرئيسيين وهما رئيس الدولة والحكومة، فرئيس الدولة هو المسيطر على السلطة التنفيذية ودور الحكومة ورئيس وزرائها أشبه بدور تنفيذي للرؤى والقرارات السياسية للرئيس، وتلك أهم مصادر العجز السياسي القائم في مصر منذ قيام حركة يوليو 1952م.
هذه الصلاحيات شبه المطلقة للرئيس أدت إلى عمليات إزالة منتظمة لأي قوة سياسية أو اجتماعية من الممكن أن تحقق أي نوع من التوازن مع منصب الرئاسة التي أصبحت مطلقة.
أما شخصنة السلطة فهي الظاهرة الأفدح التي عانت منها البشرية، أي أن تتجسد السلطة في الحاكم وتختزل الدولة وأجهزتها في شخصه؛ وحالة الشخصنة العالية للسطة في مصر كشفت عن حجم المشاكل البنيوية والهيكلية في النظام السياسي، وأنتجت تشوهات في ممارسة السلطة.
والخطر الأكبر للشخصنة هو أن الركود وأمراض النظام تنتقل إلى جهاز الدولة ودولاب عملها، وينتشر الترهل والركود في النظام السياسي والجهاز الإداري والمجتمع وتسيطر حالة من الركود على فضاء العمل السياسي والأهلي في المجتمع.
وفي ظل شخصنة السلطة تضيق دائرة الأفراد الممسكين بالسلطة ويزداد معها التضييق على الخصوم السياسيين، مع زيادة في الميل إلى استخدام العنف ضدهم، كما يضيق حجم التأييد الاجتماعي سواء من داخل المجتمع أو من العاملين بالدولة للنظام السياسي القائم، كما أن النظام يضيق بعد فترة من تبرير سياساته لتسويق الأوضاع القائمة، ولا يهتم كثيرا بتحقيق شرعية مجتمعية له.
ولذا يلجأ إلى أسلوبين في تحقيق ضبطه للمجتمع وأجهزة الدولة، الأول يتمثل في اللجوء للرشوة السياسية لبعض الفئات المتذمرة أو المراد استقطابها؛ لأن قاعدة الطغيان أن يكون الناس متفرقين، والثاني: اللجوء الدائم إلى الجهاز الأمني في حل المشكلات ذات الطبيعة السياسية باعتباره الجهاز القادر على الإنجاز والفعل، ويمتلك الكفاءة والسرعة في التنفيذ.
ونشير هنا أن الزعيم الهندي غاندي حذر أي حاكم من مواجهة أية حركة سياسية شعبية سلمية لأنه في تلك الحال يكون كمن يضرب الماء بسيفه ليقطعه.
والزعيم الألماني هتلر يقول في كتابه "كفاحي" إنه لا يمكن الاحتفاظ بأجهزة الحكومة عن طريق القوة وحدها، ومكيافيللي يؤكد تلك الظاهرة في كتابه "الأمير" أن القسوة كلما زادت ازداد النظام الحاكم ضعفا، وأنه إذا لم يكن للحاكم من سبيل للطاعة سوى العنف فإن النظام يكون آخذا للزوال.
الأمن ينفذ السياسة
هناك حالة اعتماد كامل على الجهاز الأمني لتحقيق الضبط السياسي، وتنفيذ السياسة، وتحقيق الحماية، أي تُسند أدوار سياسية إلى الجهاز الأمني بعيدة عن الهدف والغاية من إنشائه وبعيدا عن وظائفه الأساسية، وهي تحقيق الأمن الاجتماعي ومكافحة الجريمة، وبالتالي تصبح الحياة السياسية معسكرة وخاضعة لمنطق أمني قمعي دسائسي.
هذا المظهر الحالي في النظام المصري يحتاج إلى قدر من النقاش على أرضية معرفية قبل سرد وقائع وتفصيل حالة التلاحم الحالية بين الوظيفة الأمنية والوظيفة السياسية للنظام، حيث يبدو النظام قوياً لكن حقيقته تؤكد أن هذا التلاحم بين الوظيفتين ولجوءه الدائم إلى الجهاز الأمني لتنفيذ السياسية هو دليل ضعف سياسي كبير للنظام.
فالتلاحم بين الوظيفة الأمنية والسياسية يجعل دور أجهزة الأمن ليس تحقيق الضبط في المجتمع بقدر ما تكون هي من يحدد إطار الحركة للسياسة في المجتمع، حيث إن استيعاب الأمن للوظيفة السياسية يلغي الحركة السياسية، ومع إلغاء الحركة السياسية أو تقييدها بالمنطق الأمني -الذي يعلي من منطق الهيمنة والاستقرار- تتضخم الأجهزة الأمنية، ويلتصق جهاز الأمن بجهاز رسم السياسة وتنفيذها، وتصبح المساءلة عن السياسة أمنية وليست سياسية.
ويسعى الجهاز الأمني لتأكيد أهمية دوره حتى إن الأمن يخترع العدو والمؤامرة لتبرير الوجود والصلاحيات والميزانيات والأدوار المسندة إليه، وهنا نجد تنميطا في الجهاز الأمني للتعامل مع الخصوم السياسيين.
وهو ما يضعف النفوذ المعنوي للدولة ويجعل نفوذها مرتبطاً بمدى الهيمنة الأمنية ومدى التعسف الذي تستخدمه مع معارضيها، فإذا قلت درجة الضبط والعنف الأمني، فإن المعارضة وحالات الغضب تتوالد بطريقة سرطانية طارحة كل ملفات الغضب على السطح.
الوجه الآخر لسيطرة الأمن على الفضاء السياسي في المجتمع هو أن توزيع سلطة الدولة في اتخاذ القرار وتنفيذه على العديد من الأجهزة تنحصر في جهاز واحد أو أكثر وهو ما يضعف فعالية النظام، فهذا الاحتكار الأمني يجعل ذلك الجهاز مستوعبا للعمل العام بمجمله.
إشاعة الخوف
النظام السياسي الحالي يسعى لإقامة نوع من التوازن السلبي في قمة الشبكة الضيقة التي تحكم، وتلك النخبة مغلقة على عدد محدود من ذوي المصالح والسلطات الكبيرة، غير أن هذا التوازن السلبي الذي يعتمد عليه النظام في إدارة البلاد يقود إلى نوع من الوهن السياسي داخل مجمل النظام والعملية السياسية ويضعف فاعلية النظام عن مواجهة مشكلاته.
وقد نقل هذا الوهن السياسي من النظام إلى الجهاز الإداري للدولة، وقد بدأ نقل الوهن في القدرات للجهاز الإداري؛ فأسندت وظائف لهذا الجهاز بعيدة عن الوظائف المنوطة به، فانتقل جمود النظام وشخصنته وكراهية المجتمع له إلى الجهاز الإداري للدولة.
وقد رأى المستشار طارق البشري في كتابه "مصر بين العصيان والتفكك" أن هناك اتجاها لتفكيك جهاز الدولة المصرية، وأن هذا التفكيك تستخدم فيه مجموعة من الأدوات والوسائل، أضف إلى ذلك أن النظام القائم نظرا لضعف قدراته السياسية قام بعملية تحويل "ذكية" للغضب المتوالد تجاهه، فبدلا من أن يتوجه إليه يتوجه إلى جهاز الدولة الذي أخذ يترنح تحت موجات الفساد وعدم الكفاءة وعدم قيامه بوظائفه الأساسية، ليتحمل ذلك الجهاز الإداري وحده آثام الفشل السياسي للنظام السياسي، ويتحمل بعضا من موجات الغضب والنقد الجماهيري، وليتحمل عبء مواجهة ذلك الغضب.
وظاهرة الخوف متفشية في صفوف الجماهير والسلطة القائمة وجهاز الدولة حتى الأجهزة الأمنية، وهو خوف على الواقع وضياع مكتسباته، وخوف من المستقبل الذي لا يبشر، وخوف من هبات الغضب الشعبية التي قد تعصف بالقلة المسيطرة على السلطة والثروة في البلد.
هذا الخوف الذي يجتاح البلاد والعباد يكشف عن غياب لأية خريطة بنائية للعلاقات بين الأبنية القانونية والمؤسسية داخل النظام السياسي، وهو ما يضعف قدرة النظام المعنوية، ويجعل عمليات الإصلاح التي تتم ما هي إلا ترقيع غير جيد لسلبيات وأخطاء قائمة وقاتمة ويستحيل التستر عليها.
وهو خوف يأكل روح الفرد والجماعة، ويغتال الإحساس بالكينونة والهوية، ومن خلال الخوف يلجأ النظام للتلاعب بمصائر الأفراد والجماعات وتتم عمليات تطويع بشعة للمعارضين والمخالفين، وسيل الأزمات الذي يملأ مصر، ويؤكد مفكرو السياسة أن الشعور الذي يجب استثارته في سبيل فرض السيطرة الفعالة على المجتمعات هو الخوف، لأن الخوف يقيد النظام الاجتماعي ويضمنه، كما أن الخوف هو آلية التحكم الرئيسية التي تخترق المجتمعات، وكلما ازاداد فشل النظام وشيخوخته وتكلس عن أداء أدواره ووظائفه الأساسية قام بتغذية الخوف في المجتمع.
وهنا يعمل الخوف بشكل منظومي حتى يتم إحكام السيطرة على الدولة والمجتمع؛ فالخوف هو السلاح الأقوى في أن يفقد الإنسان حريته واستقلاله، فهو أقسى من الجوع وأشد.
   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
5 + 4 = أدخل الكود
روابط ذات صلة

RSS

Twitter

Facebook

Youtube

wewe